الزوجة المعلقة.. مأساة ألا تكون زوجة ولا عزباء

0 453

كتب- محمد مهابة

ظلم العباد من أقبح الجور، فما بالنا بظلم من كانت يوما زوجة وسكناً وأم الولد ورفيق الدرب .. إنه التنكر لأيام العشرة، وجحود لصفاء المودة، حيث تصل الخلافات بالطرفين إلى طريق مسدود، وتستحكم لغة الانتقام على لغة المفارقة بالمعروف، ورغم أن الزوج قد يكون الضحية، إلا أن حالات الضحايا من الزوجات أشهر وأكثر، وظلمها أبشع لأنها مكسورة الجناح ضعيفة الشوكة، خاصة إن صار حالها بين السماء والأرض، فلا هى زوجة ولا عزباء، وحينها تكون المأساة.

قال تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:129]

فقد تضمنت الآية حقيقة كبرى وهى عجز الزوج عن العدل بين زوجاته اللائى فى عصمته، فمهما حرص على العدل وتوخاه فإنه لن يصل إلى منتهاه أبداً، والمراد بالعدل هنا فى (الحب والجماع)، أما فى القسمة والكساء والغذاء والعشرة بالمعروف فهذا مستطاع له، ولما علم تعالى هذا من عبده رخص له فى ذلك ولم يؤاخذه بميله النفسى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك» والمحرم على الزوج هو الميل الكامل إلى إحدى زوجاته عن باقيهن، لأن ذلك يؤدى أن تبقى المؤمنة فى وضع لا هى متزوجة تتمتع بالحقوق الزوجية ولا هى مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه، وهذا معنى قوله تعالى: {فتذروها كالمعلقة}. واجتناب كل الميل داخل فى الوسع، ولذلك وقع النهى عنه، أى: إن وقع منكم التفريط فى شئ من المساواة فلا تجوروا كل الجور.

وقد دل قوله {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا} إلى قوله {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} على أن المحبة أمر قهرى، وأن للتعلق بالمرأة أسبابا توجبه قد لا تتوفر فى بعض النساء، فلا يكلف الزوج بما ليس فى وسعه من الحب والاستحسان، ولكن من الحب حظ هو اختيارى، وهو أن يروض الزوج نفسه على الإحسان لامرأته، وتحمل ما لا يلائمه من خلقها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتى يحصل من الألف بها والحنو عليها اختيارا بطول التكرر والتعود، ما يقوم مقام الميل الطبيعى. فذلك من الميل إليها الموصى به فى قوله {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}، أى إلى إحداهن أو عن إحداهن.

فعن أبى هريرة – رضى الله عنه – قال رسول الله (ص): (من كانت له امرأتان فمال إلى أحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) [رواه أبو داود وصححه الألبانى فى صحيح الجامع].

والعدل المراد فى التعدد هو القسمة بالتساوى فى المكان، أى أن لكل واحدة من المتعددات مكاناً يساوى مكان الآخرين، وفى الزمان، وفى متاع المكان، وفيما يخص الرجل من متاع نفسه، فليس له أن يجعل شيئاً له قيمة عند واحدة، وشيئاً لا قيمة له عند واحدة أخرى. والعدالة هى فيما يدخل فى اختيارك، لأن العدالة التى لا تدخل فى اختيارك لا يكلف الله بها، فأنت عدلت فى المكان، وفى الزمان، وفى المتاع لكل واحدة، وفى المتاع لك عند كل واحدة، ولكن لا يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك وحب نفسك.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق