الخبير حسام حلمي: لا يمكن تنشيط السياحة المصرية بأدوات التسويق التقليدية

0 516

فى حوار مع مؤسس السياحة الشاطئية في مصر:

  • السائحون يأتون من كل أنحاء العالم للاستمتاع بما يتوافر فى المنطقة من شُعَب مرجانية وأسماك فريدة ليس لهما مثيل في العالم

  • السياح يفضلون العودة إلى الطبيعة والابتعاد عن الرفاهية التى يعيشونها في مجتمعاتهم.

_________________________________

حوار: سمير شحاتة – صلاح غراب

_________________________________

تُعد السياحة مورداً أساسياً من موارد الدولة فى ضخ شرايين الحياة، حيث يعمل بها نحو ثمانية ملايين عامل، فى قطاع من أهم قطاعات الاقتصاد المصرى. ومن خلال آراء المعنيين بهذا النشاط على أرض الواقع، اخترنا الخبير السياحى المصرى، حسام حلمى، مؤسس السياحة الشاطئية فى مصر، وأول من اقتحمها ووضعها على خريطة السياحة العالمية بداية، ثم المصرية لاحقاً.

  • ما هى حقيقة الأوضاع الراهنة فى قطاع السياحة فى مصر الآن؟

هناك جهود من قبل هيئة تنشيط السياحة، واتحاد الغرف السياحية والجمعيات والمستثمرين  لتوضيح حقيقة الأوضاع فى مصر، وطمأنة مجتمع السياحة العالمى حول الأوضاع الأمنية، خاصة فيما يتعلق بالسياح. وتشارك الهيئة والمستثمرون فى المعارض السياحية التى تعقد حول العالم على مدى العام لترويج المنتج السياحى المصرى، والرد على تلك الصور السلبية التى ترسمها بعض الصحف العالمية لمصر. كما تتم دعوة بعض مراسلى تلك الصحف للرد عمليا على المبالغات، بل والشائعات والمغالطات. ومن المهم أن نؤكد أن هيئة تنشيط السياحة، رغم أنه لا يتوافر لديها الإمكانات المالية الكافية للوفاء بتكاليف مختلف تلك الأنشطة الترويجية، فإنها لا تتوانى مطلقا عن فعل كل ما باستطاعتها لدعمها، وتعزيز الحضور المصرى فى الفعاليات السياحية العالمية.

وأظن أن الأكثر فاعلية فى دحض أى صورة سلبية عن السياحة فى مصر وأى مبالغات عن تدهور الوضع الأمنى، ربما يتمثل فى بث صور ومقاطع فيديو من المناطق السياحية المختلفة ونشاط السياح فيها، مما يدحض بشكل عملى أى روايات غير صحيحة أو مبالغات. وقناعتى أن الصورة أقوى تأثيراً من كل ما يمكن أن يكتب من روايات غير صحيحة. السؤال المهم هو: كيف تنقل تلك الصور الحقيقية والإيجابية، وتصل بها إلى عملائك وأكبر عدد ممكن من المعنيين بالتطورات فى مصر؟.

  • من واقع خبرتك، ما هى أنسب الوسائل لنقل الصور الإيجابية عن مصر وأمان مواقعها السياحية، والترويج لها بشكل واسع؟

هذا سؤال مهم جدًا وأساسى لكل من يريد أن يتصدى ويؤسس لنشاط سياحى منافس فى عالم اليوم، وهو يندرج فى جوهر فلسفة التسويق لأى مشروع. بداية، يجب أن نلاحظ أن أدوات التسويق التقليدية لم تعد مؤثرة فى سوق اليوم، فنسبة مطالعة المجلات أو النشرات المصورة التقليدية، والاعتماد عليها كوسيلة للتسويق، انخفضت بشدة، وبالتالى تراجعت أهميتها النسبية إعلانيا وإعلاميا. ومن يعتمد على التسويق بتلك الوسائط التقليدية، لن يستطيع المنافسة والاستمرار. الآن، أصبحت وسائط التسويق الرئيسية هى الوسائط الإلكترونية، وقنوات التواصل الاجتماعى الحديثة، مثل الفيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، والمواقع الإلكترونية المتنوعة، وتكوين مجموعات للتواصل الاجتماعى عبر هذه الوسائط.

  • ما رأيك فى الدعوات إلى إعادة التوسع فى دور الدولة فى التنمية الاقتصادية؟

ما أفهمه أنه يمكن أن يوجد فساد فى حالتين، أن أخصص أرضا لمستثمر بأسعار مميزة، فيقوم ببيعها بعد فترة، دون أن يقيم أى مشروع، ويستفيد من فارق الأسعار ليحقق ربحا دون أى مجهود، بل ودون أن يسدد السعر العادل للدولة وهو ما يُطلق عليه (تصقيع الأرض)، أو أن أخصص أرضا لمستثمر بأسعار مخفضة لاستخدامها فى نشاط محدد، فيقوم بتغيير نوع النشاط مثل تخصيص أرض بغرض الزراعة تتحول إلى فيلات للبيع. لكن إذا حصل مستثمر على أرض لتنفيذ مشروع معين، وقام بتنفيذه بالفعل، واجتهد واستثمر أمواله فى تحقيق تنمية فى تلك الأرض واستغلالها بما يعزز الناتج المحلى، ويفتح فرص عمل جديدة، ويقوم بسداد ضرائب تصل إلى 12 نوعا لخزانة الدولة، كما يدفع تأمينات اجتماعية لموظفيه، فأين يمكن أن يكون الفساد فى ذلك؟، إن مثل هذا المستثمر أفاد المجتمع، وأدى حق الدولة كاملا.

– ما المقوم الرئيسى لنجاح أى مشروع سياحى فى منطقة جنوب البحر الأحمر؟

البيئة تعد أحد أسرار نجاح أى مشروع فى تلك المنطقة وعنصر الجذب الرئيسى للعملاء الأجانب. فالأجنبى الذى يأتى إلى هنا للاستمتاع برياضة الغوص فى تلك البيئة الرائعة، يريد كذلك الاقتراب من تلك البئية، وليس تكرار نفس نمط الحياة الحديثة الذى يحياه فى بلاده. وهنا، أود أن أؤكد أن رياضة الغوص هى رياضة بيئية بامتياز فى ثقافتها، حيث إن الغواص الحقيقى لا يقوم، على سبيل المثال، باصطياد الأسماك، أو إتلاف أى جزء من البيئة البحرية التى يغوص فيها. كما أن الحفاظ على البيئة شرط ضرورى لاستمرار تلك الرياضة، كما أن عنصر التراث يمكن أن يكون جاذبا لتلك المنطقة.

  • ما الدور المجتمعى الذى لعبته السياحة فى مرسى علم؟ وهل هناك أفق لمزيد من التنمية المجتمعية فى تلك المنطقة؟ وما دور المستثمرين فيها؟

يعمل فى مجال السياحة الشاطئية فى منطقة مرسى علم نحو 27 ألف عمالة مباشرة ومثلهم تقريبا عمالة غير مباشرة، وإذا ما أضفنا احتمال أن يلتحق بهؤلاء عائلاتهم، فإن هذه الأعداد يمكن أن تمثل نواة لمجتمع عمرانى جديد كبير ومنتج وفعال. السياحة بهذا المعنى توفر فرصة لنشأة هذا المجتمع العمرانى الجديد. لكن لا أنكر أن البنية الأساسية لهذا المجتمع ما زالت غير متوفرة بشكل كبير، من مرافق ومشروعات خدمية مكملة ولازمة لنشأة هذا المجتمع، مثل الطرق والمدارس والمستشفيات والمهن الحرفية وغيرها من خدمات ضرورية لاستقرار البشر. ونحن نواجه مشكلة فعلا بسبب عدم اكتمال عناصر تأسيس هذا المجتمع الجديد، إذ بدونه فإن كل العمالة التى تأتى إلى مرسى علم من مناطق ومحافظات أخرى فى مصر، تكون عمالة مؤقتة، تمضى فترة فى العمل هنا، ثم تعود لتستقر مع أسرها فى مواطنها الأصلية، وهذا يعنى خسارة ما أنفق على تلك العمالة من تكلفة للتعليم والتدريب فى مجال العمل السياحى.

  • ما هى المقومات السياحية التى تُميز البحر الأحمر ومرسى علم خاصة؟

يتميز البحر الأحمر عن كل بحار العالم بأربعة أشياء رئيسية:

أولا: نسبة الملوحة، حيث تزيد ملوحته عن أى بحر مماثل له، فى المنطقة الاستوائية وشبه الاستوائية، بنسبة تتراوح بين 20 و25%. ويرجع هذا إلى الجبال البركانية فى سلاسل جبال البحر الأحمر، حيث يؤدى سقوط الأمطار عليها وانحدار مياهها إلى البحر الأحمر إلى زيادة نسبة ملوحة مياهه التى ساهمت نسبيا فى الحفاظ على الشعاب المرجانية من عديد من العوامل التى قد تضر بها مثل البكتيريا أو الفطريات.

ثانيا: يوجد فى البحر الأحمر 1250 فصيلا من فصائل الأسماك، وهذا العدد فى تصاعد مستمر، ولا نزال نكتشف فصائل من الأسماك حتى اليوم. فى المقابل، فإن البحر المتوسط، يوجد فيه 300 فصيل تقريبا، ويوجد فى المالديف والكاريبى ما يتراوح بين 600 إلى 700 فصيل من فصائل الأسماك. ويرجع هذا العدد الكبير من فصائل الأسماك فى البحر الأحمر إلى ما يتميز به من شعاب مرجانية كثيفة وممتدة. فالشعاب المرجانية تمثل الحاضنة الطبيعية لنحو 80% من فصائل الأسماك، بينما تسبح الـ 20% الأخرى فى البحر المفتوح. وأود أن أشير فى هذا السياق إلى أنه إضافة إلى العوامل السابقة التى تعزز نمو الشعاب المرجانية فى البحر الأحمر، فإن تميز هذا البحر بتياراته البحرية المعتدلة، يسهم فى نمو هذه الشعاب، التى يتعذر عليها النمو حين يكون التيار البحرى قويا جدا أو منعدم.

ثالثا: درجة حرارة مياه البحر الأحمر تزيد درجتين عن أى بحر أومحيط يقع فى نفس المنطقة الشبة استوائية، وذلك لأن البحر الأحمر بحر غير عميق، ويتضح ذلك إذا قارنا أعمق  ثلاثة مواقع فيه بأعماق المحيطات فى العالم. فأحد تلك المواقع الثلاثة العميقة فى البحر الأحمر يقع أمام شرم الشيخ على عمق 1825 مترا، بينما يقع الموقع الثانى فى منطقة أبى كيزان شرق مدينة مرسى علم على عمق 2300 متر، أما الموقع الثالث، فيقع على بعد 40 ميلا بحريا شمال باب المندب فى آخر البحر الأحمر ويصل عمقه إلى 2500 متر، وتلك الأعماق بركانية نشطة فتؤثر بأن يرتفع درجة حرارة المياه حتى سطح المياه. وفى المقابل فإن عمق المحيط الهندى يصل إلى 8 كيلومترات، والمحيط الأطلنطى يصل عمقه إلى 12 كيلومترا، والمحيط الهادى يصل عمقه إلى 17 كيلومترا والقاع البركانى العميق لا تصل درجة الحرارة لتؤثر على سطح المياه.

رابعا: الخلجان التى تتميز بها منطقة مرسى علم ووجود الشعاب المرجانية، أتاح ممارسة ما يسمى رياضة الغوص البرى، وهى تعنى أن الغواص يمكنه النزول للغوص مباشرة من على الشاطئ دون الحاجة إلى الدخول إلى البحر المفتوح باستخدام الزوارق.

  • ما هى قواعد التخطيط الرئيسية التى يجب مراعاتها فى منطقة لها تلك الخصوصية التى تميز منطقة جنوب البحر الأحمر؟

أول تلك القواعد أنه حين لا يتوافر لدى مدخل إلى البحر، لا يتم إنشاء غرف فندقية، يمكن أن أنشئ ملاهى، أو مستشفى علاجيا، أو أى مشروع آخر لا يستلزم الدخول إلى البحر. وحين يكون هناك مدخل للبحر، يجب أن تعد دراسة لكى تحدد طاقته الاستيعابية للمستخدمين، بما يضمن الحفاظ على النظام البيئى فى تلك المنطقة وعدم تدميرها. فتلك البيئة هى مصدر ثروة المنطقة، حيث يأتى السائحون من كل أنحاء العالم للاستمتاع بما يتوافر فى المنطقة من شعب مرجانية وأسماك فريدة ليس لهما مثيل فى العالم. وإذا تم تدمير هذا النظام البيئى، فلن يأتى هؤلاء! وهذا النظام البيئى مترابط، وتدمير أى جزء منه يعنى تدمير النظام البيئى بأكمله. فعلى سبيل المثال، إذا سمحت بنزول أعداد كبيرة من مستخدمى البحر تفوق الطاقة الاستيعابية لمساحة ما منه، فإن ذلك سيترتب عليه تدمير الشعب المرجانية، وبالتالى سيتم القضاء على الأسماك الملونة الصغيرة التى تحتمى فى تلك الشعاب، حيث ستكون عرضة للافتراس من قبل الأسماك الكبيرة.

وعامة، فإن هناك معيارين ينبغى لأى مشروع اعتمادهما لتحديد مدى نجاحه وقوته، أولهما: سعره، وهذا يزداد بازدياد الطلب على الخدمة المقدمة. ثانيا: معدل عودة الزبائن (Return Guest). وبالتأكيد، فإن كلا المعيارين لا يمكن أن يتحقق، ما لم تتوافر خدمة جيدة وبيئة ملائمة لكى يمارس الزبون النشاط السياحى، والذى تحمل تكاليف كبيرة لكى يسافر من بلاده إلى مصر للاستمتاع به، وهو فى هذه الحالة تحديدا السياحة الشاطئية والرياضات المائية. لذا فإننى أشدد على ضرورة عدم إنشاء غرف فندقية تفوق الطاقة الاستيعابية للخليج المقام عليه أى مشروع سياحى، لضمان الحفاظ على بيئته البحرية، ولكي نعطى فرصة للقرى الأخرى المقامة لاستغلاله. بدون تلك الرؤية وبدون المنافسة العادلة والعاقلة، فإننا لن نحقق سوى تدمير المشروعات التى أقمناها من خلال تدمير المقدرات الطبيعية الفريدة التى حبا الله بها تلك المنطقة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق