فقه الأولويات والتنمية.. الحج إلى بيوت الفقراء!!
بقلم: محمد ناجي المنشاوي
تسعى الدولة المصرية جاهدة إلى مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تراكمت أسبابها، وأضحت عبئًا ثقيلًا يفرض تحديات كبيرة أمام خطط التنمية. غير أن وطأة هذه الأزمة تزداد على الفئات الفقيرة والأشد احتياجًا، التي تحاصرها ضغوط المعيشة وارتفاع الأسعار بشكل متسارع. ولا شك أن القيادة السياسية تبذل جهودًا ملحوظة لتخفيف هذه الأعباء عبر حزم من الإجراءات التكافلية، لكن الواقع يشير إلى الحاجة لطرح حلول مبتكرة تضمن لهذه الفئات حياة كريمة يسودها الاستقرار والأمان.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى وعاءين ماليين مهمين يمكن توظيفهما بفاعلية، هما: الزكاة والصدقات من جهة، ونفقات الحج والعمرة المتكررين من جهة أخرى. ويتطلب ذلك تخطيطًا محكمًا، إلى جانب جهود توعوية إعلامية وثقافية، وتشريعات مرنة وملزمة تضمن تدفق هذه الموارد سنويًا، مع استثمارها في مشروعات تنموية تحقق عوائد مستدامة تسهم في تنشيط الاقتصاد وتخفيف أعباء الفقر. ويركز هذا المقال على الوعاء الثاني، على أن يُفرد للأول حديث لاحق.
فالحج ركن أصيل من أركان الإسلام، فرضه الله على المستطيع مرة واحدة في العمر، وما زاد على ذلك فهو من قبيل التطوع. ورغم أن تكرار الحج والعمرة عمل محمود في أصله، فإن الظروف الراهنة تستدعي استحضار «فقه الأولويات»، وهو من أهم أبواب الفقه الإسلامي الذي ازدهر في عصور النهضة الإسلامية، لكنه تراجع مع مرور الزمن لصالح التركيز على العبادات الشكلية على حساب فقه المعاملات، الذي يمثل جوهر الشريعة ومقاصدها.
وقد أدى هذا التراجع إلى اختلال في ترتيب الأولويات لدى البعض، حيث يُقدَّم ما حقه التأخير، ويؤخَّر ما حقه التقديم، إما بسبب ضعف الوعي الفقهي، أو الانشغال بالمظاهر على حساب الجوهر. وفي المقابل، يؤكد فقهاء كبار أن توجيه نفقات الحج المتكرر إلى الفقراء والمحتاجين والمرضى والأسر المعيلة والغارمين أولى وأعظم أجرًا، لما يحققه من نفع مباشر للمجتمع.
وفي هذا الإطار، دعا الدكتور حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، إلى تقديم مصلحة الأمة عبر توجيه نفقات الحج التطوعي للأعمال الخيرية والاحتياجات الاقتصادية. كما أفتى الشيخ ابن عثيمين بكراهة تكرار الحج، بل وتحريمه في حال ترتب عليه مزاحمة الآخرين. وذهب الشيخان ابن باز ويوسف القرضاوي إلى أن التصدق بنفقات الحج التطوعي أولى من تكراره.
كما أكدت دار الإفتاء المصرية في فتوى واضحة أنه لا مانع شرعًا من تكرار الحج والعمرة، لكن الأولى هو تقديم احتياجات الفقراء والمحتاجين الذين هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة. وخلاصة هذه الآراء أن الإكثار من الحج أمر محمود في ذاته، لكنه يتراجع أمام أولوية سد احتياجات المحتاجين وتجنب الإضرار بالآخرين.
وتشير الأرقام إلى حجم الموارد التي يمكن توجيهها في هذا الإطار؛ فقد بلغ عدد الحجاج المصريين عام 2025 نحو 78 ألف حاج، يستحوذ الحج السياحي على نحو 50% منهم، وغالبًا ما يمثل متكررو الحج النسبة الأكبر داخل هذه الفئة. وتتراوح تكاليف الحج بين 120 ألف و580 ألف جنيه، بحسب المستوى، وهو ما يعني أن إجمالي الإنفاق يصل إلى مليارات الجنيهات سنويًا.
فعلى سبيل المثال، بلغ عدد الحجاج في الفئة الاقتصادية نحو 40672 حاجًا، بمتوسط تكلفة 140 ألف جنيه للحاج، ليصل إجمالي الإنفاق إلى ما يقارب 5.6 مليار جنيه لهذه الفئة وحدها. كما أظهرت دراسة سابقة أن إنفاق الحجاج المصريين في عام 2008 بلغ نحو 2.5 مليار دولار، وهو ما يعادل نسبة ملحوظة من الدخل القومي آنذاك، بما يعكس حجم هذه الموارد وإمكانات توجيهها.
ومن هنا، فإن إعادة توظيف جزء من نفقات الحج والعمرة المتكررين، عبر توجيهها إلى صندوق استثماري بالتوازي مع أموال الزكاة والصدقات، يمكن أن يحقق نقلة نوعية في معالجة مشكلات الفقر والبطالة، من خلال تمويل مشروعات إنتاجية مستدامة تعود بالنفع على الفئات الأكثر احتياجًا.
غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهونًا بمدى تكامل الجهود بين مؤسسات الدولة، وتفعيل الوعي المجتمعي، وإيجاد آليات تنفيذية وتشريعية تضمن استدامة هذه المبادرات، بما يحقق التوازن بين أداء الشعائر الدينية وتحقيق المقاصد الكبرى للتكافل والتنمية.