تراجع القوة الناعمة الأمريكية .. تحولات حادة في عهد ترامب

0 13

إعداد- د. يسرا محمد مسعود

 

شهدت الولايات المتحدة تحولًا لافتًا في مسارها السياسي مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وهو تحول يعكس تطرفًا واضحًا في توجهاتها الأيديولوجية، ويشكل نقطة مفصلية في تاريخها السياسي الحديث.

 

هذا التحول يتقاطع مع انقلاب استراتيجي في نموذج الدبلوماسية العامة. فبينما أسّس جوزيف ناي مفهوم “القوة الناعمة” كمرتكز للنفوذ الأمريكي، قائمًا على الجذب والتأثير الثقافي والشرعية المعيارية، جاءت “الترامبية” لتعيد الاعتبار لمنطق القوة الصلبة والعنف. ونتيجة لذلك، شهدت القوة الناعمة الأمريكية بمعناها القائم على الجاذبية والإقناع تراجعًا ملحوظًا خلال فترتي حكم ترامب (2017-2021، ومنذ 2025 وحتى الآن)، في ظل تبني سياسة “أمريكا أولًا”.

 

هذا النهج الأحادي أدى إلى إضعاف التحالفات التقليدية، وتقويض التعددية الدولية، وتشويه صورة الديمقراطية الأمريكية، حيث تم استبدال أدوات التأثير الناعم بأساليب أكثر قسرية.

 

وفي هذا السياق، لم يكتفِ ترامب بالتخلي عن أدوات القوة الناعمة، بل أسهم أيضًا في تراجع شعبية الولايات المتحدة عالميًا، داعيًا في الوقت ذاته الأوروبيين إلى تعزيز حضورهم وتأثيرهم. ويشير فيليب برنارد، الكاتب في صحيفة “لوموند”، إلى أن السياسات الأمريكية الحالية قد تدفع أوروبا إلى إعادة تأكيد قيمها وأنماط حياتها في مواجهة هذا التحول.

 

من جانبه، يرى جدعون راتشمان، كاتب “فاينانشال تايمز”، أن هناك تراجعًا واضحًا في القدرة على تبرير هذا النهج، معبرًا عن أمله في أن تظل هذه المرحلة “انحرافًا عابرًا” لا تحولًا دائمًا في السياسة الأمريكية.

 

ورغم استمرار دعم شريحة تقارب 40% من الناخبين لترامب، فإن المشهد السياسي الأمريكي يظل غامضًا، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية، التي قد تعكس ملامح نظام يميل إلى احتكار السلطة، في ظل غياب يقين حول مستقبل البلاد بحلول عام 2028.

 

على صعيد الرأي العام الدولي، تتزايد مؤشرات فقدان الثقة في الولايات المتحدة، حتى بين حلفائها التقليديين. فقد أظهرت بيانات “مركز بيو للأبحاث” (يوليو 2025) ارتفاع نسبة الكنديين الذين يرون في الولايات المتحدة تهديدًا من 20% إلى 59%، فيما بلغت النسبة 68% في المكسيك، وتجاوزت 25% في دول مثل الأرجنتين والبرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا. كما بات الإسبان ينظرون إلى الولايات المتحدة وروسيا باعتبارهما مصدرين متقاربين للتهديد.

 

وفي ظل هذا المناخ، يتراجع حضور مفهوم “القوة الناعمة” بوصفها أداة قائمة على الإقناع والدبلوماسية والثقافة. وترى الأكاديمية ميريام بن رعد أن إدارة ترامب الثانية تكرّس “حكمًا جامحًا للقوة والعنف”، من خلال توظيف الضغوط السياسية والاقتصادية والنفسية لإخضاع الفاعلين الدوليين.

 

وتطرح التحركات الأمريكية في ملفات مثل فنزويلا وجرينلاند وإيران وكوبا تساؤلات حول بروز “جغرافيا سياسية للإكراه”، تُقوّض تدريجيًا مفهوم السلام ذاته.

 

وبينما يبدو العالم اليوم بعيدًا عن رؤية جوزيف ناي التي طرحها عام 1990، تتجه السياسة الأمريكية نحو تكريس أدوات القوة الصلبة، مع توسيع نطاق الضغوط الاقتصادية والسياسية وحتى المعنوية، في سبيل فرض الهيمنة الدولية.

 

ورغم إعلان ترامب في وقت سابق نهاية الحروب الكبرى وبداية عصر جديد من السلام، فإن ممارساته تعكس توجهًا مغايرًا، قائمًا على استغلال اختلالات القوة والعلاقات غير المتكافئة بين الدول. كما يتجاهل هذا النهج الأطر القانونية الدولية، التي تُعد أساس مفهوم “العنف المشروع” كما صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر.

 

العنف كمقياس للسلطة

تتبنى رؤية ترامب تصورًا مغايرًا للإكراه، حيث يُعاد تعريف العنف باعتباره المعيار الأساسي للسلطة، من خلال فرض عقوبات اقتصادية عابرة للحدود، والتدخل في شؤون الدول ذات السيادة، كما يتضح في حالات مثل فنزويلا أو الممارسات التجارية غير المتكافئة.

 

وفي الوقت الذي كان يُعتقد فيه أن القرن الحادي والعشرين سيشهد تراجع الحروب التقليدية، تبدو الساحة الدولية وكأنها تعود إلى أشكال أكثر مباشرة وخشونة من ممارسة القوة، مع تراجع دور القانون كأداة تنظيمية.

 

وبذلك، تعود الولايات المتحدة -وفق هذا المنظور – إلى نهج تقليدي قائم على الهيمنة الصلبة، مدعومًا بقوة عسكرية غير مسبوقة، واقتصاد مهيمن يقوده الدولار، إلى جانب سياسات أحادية تتجاهل المؤسسات الدولية. وفي هذا السياق، يتراجع أيضًا مفهوم “القوة الذكية” الذي يجمع بين الأداتين الصلبة والناعمة، لصالح نموذج أكثر حدة وأقل توازنًا.


المصادر:

https://www.lemonde.fr/idees/article/2026/02/15/donald-trump-en-sacrifiant-le-soft-power-americain-alimente-l-impopularite-de-son-pays-et-invite-les-europeens-a-exercer-le-leur_6666821_3232.html

https://www.ouest-france.fr/reflexion/point-de-vue/point-de-vue-geopolitique-de-la-coercition-le-grand-retour-du-hard-power-603c53fe-ed77-11f0-ae78-1a0629cc1f87

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق