زهرة شوشة تكتب: السادس من أكتوبر معنى للإحتفال أم للوعي؟
وأنا أكتب هذه الكلمات أدرك تماما أن السادس من أكتوبر يوم يمر كأي يوم آخر عند كثيرين من جيلي والأجيال الأكبر والأصغر.
لكنني على المستوى الشخصي أحاول أن أجعله يوما مختلفا أستحضر فيه المشاهد المصورة والأغاني الوطنية حتى لا تمحى هذه الحالة من الوجدان ويظل حضورها في حياتنا.
وكما هو الحال في كل معركة حربية، اتسمت معركتنا المجيدة بالتخطيط الدقيق ورافقتها دعوات المصريين وارتفعت الصلوات طلبا لمدد النصر العظيم وقد كان.
نعم، فقدنا الكثير من الجنود وأُصيب آخرون إصابات بالغة وهناك من فقدوا ولم يعثر عليهم حتى الآن. فالنصر مهما بلغت عظمته لا يخلو من تضحيات ولا تختزل حكايته في مشاهد الاحتفال وحدها.
يحتفى بهذا اليوم رسميا في احتفالات عظيمة ومنظمة تستحضر خلالها ذكرى الأبطال وتروى بطولات المعركة ويستعاد ما سطره الجنود من شجاعة وتضحيات.
لكن السؤال الذي يشغلني: هل يكفي أن نحتفل؟ أم أن إحياء الذكرى يتطلب منا أن نغرس معانيها في عقول الأجيال الجديدة ووجدانها؟
ما يحزنني حقا أن أروي موقفا مؤسفا شهدته في أحد أيام الاحتفال بأكتوبر داخل إحدى المدارس .
أوصلت بناتي وانصرفت، لكن بعض تلاميذ المرحلة الثانوية وصلوا متأخرين، وفي أثناء تحية العلم، أُغلقت بوابات المدرسة حتى الانتهاء من تحية العلم.
وهناك، سمعت مجموعة من الشباب يتلفظون بأسوأ الألفاظ في حق بلادهم. وعندما اعترضت على ما يقولونه، جاء ردهم ساخرا: “عملوا إيه يعني؟! اللي عملوه نقدر نعمل أفضل منه.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذوا يتحدثون عن ساحة المعركة وكأنها إحدى ألعاب الفيديو، مستعرضين انتصاراتهم الخيالية، وممتدحين قدرتهم على السيطرة والفوز، في مشهد امتزج فيه الاستخفاف بالسخرية من حدث لا يدركون حجمه .
هذا ما يحزنني حقا؛ ما وصل إليه حال أغلب الشباب المصري، والفجوة التي تفصلهم عن جيل خاض المعركة ودفع ثمن النصر من دمه وحياته.
كيف يمكن أن تتحول ذكرى بهذا الحجم إلى مادة للسخرية؟ وأين ذهبت قيم الكرامة والانتماء ومعاني التضحية والمسئولية؟
أين هذه الدروس من المناهج؟ وأين أدب الطفل والكتب التي تثقف وتبني الوعي؟ أين الأشعار والأغاني الوطنية التي تهز الوجدان وتترك أثرا في النفوس؟ وكيف كان شعور هؤلاء الشباب وهم يرسمون الدبابات ومشاهد النصر في دفاترهم المدرسية؟
هل وصلت إليهم حكاية الإنسان الذي يقف خلف هذه الرسومات، أم بقيت الدبابة مجرد شكل، والنصر مجرد صورة، والمعركة مجرد مشهد عابر؟
سنوات من التعليم وأنشطة مدرسية واحتفالات تتكرر كل عام ثم لا يبقى في ذاكرة بعض أبنائنا سوى الالتزام بالحضور والوقوف في طابور وتنفيذ مهمة مفروضة عليهم. وكأننا نجحنا في تعليمهم، وكيف يؤدون مراسم الاحتفال، لكننا لم ننجح بالقدر الكافي في إيصال معناها الحقيقى.
وهنا لا أطرح هذه الأسئلة من باب إدانة جيل بأكمله ولا من أجل المقارنة السطحية بين شباب اليوم وأبطال الأمس، وإنما من منطلق القلق على ما نزرعه في عقول أبنائنا وما نتركه لهم من ذاكرة ومعنى وانتماء و في طريقة تقديم التاريخ وفي مضمون المناهج.. وفي غياب الحكايات الإنسانية والبطولات التي تجعل الطفل يشعر بقيمة ما حدث، وفي الفجوة بين الاحتفال الرسمي والمعنى الذي يصل إلى الأجيال الجديدة.