شهدت مكتبة مصر العامة الاثنين من هذا الأسبوع ندوة فكرية لمناقشة كتاب (نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة: من جيوسياسي القرن العشرين إلى جيوثقافي القرن الحادي والعشرين)، بحضور مؤلفه الدكتور حاتم الجوهري، ومشاركة نخبة من الدبلوماسيي والمفكرين والمتخصصين.
وننقل مقتطفات من مداخلة الدكتور حمدي هاشم الخبير الجغرافي وعضو المجلس الأعلى للثقافة في اللقاء، حيث قال إن الكاتب حاتم الجوهري هو الناقد الثقافي، والأكاديمي الممارس للمنهج الثقافي التطبيقي، وصاحب مذهب الدرس الثقافي الحر، المستشرف لمدرسة معرفية وعلمية عربية في الدراسات الثقافية والإنسانية، إنه الدكتور حاتم الجوهري ومشروعه الطموح لإعادة صياغة العلاقة بين الجغرافية والسياسة والثقافة، للانتقال من منطق الجيوسياسي (القوة العسكرية، التحالفات، والسيطرة على الموارد) في القرن العشرين إلى منطق “الجيوثقافي” (القوة الناعمة، الهوية، السرديات الكبرى) في القرن الحادي والعشرين.
وفيما يخص الكتاب ذكر الدكتور حمدي هاشم أنه يأتي بمشروع ثقافي (ثوري) لتأسيس قوة ناعمة عربية وسرديتها الكبرى، وقد سبقه ثلاثة كتب: الدبلوماسية الثقافية البديلة، مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة، والسياسة الثقافية الثالثة، وذلك في إطار نظري جديد يواكب التحولات العالمية، مستغلاً صعود الثقافة وقوتها الناعمة. ويطرح الكتاب (في جرأة فكرية) بديلاً عن السرديات الغربية المهيمنة، وبناء سردية عربية جديدة، اعتماداً على (الجغرافية الثقافية الرابطة) في بناء شبكة ثقافية عابرة للحدود، ومركزيتها في إدارة العلاقات الدولية وإعادة تشكيل المجال العام العالمي! والتي ربما تؤدي إلى بناء نظرية عربية جديدة في العلاقات الدولية، تقوم على نقل مركز الثقل من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة! وبذلك يبقى الكتاب دعوة مفتوحة للنخب الثقافية والسياسية العربية لإعادة التموضع في النظام العالمي الجديد من المنظور الجيوثقافي.
ولفت «هاشم» الانتباه إلى العنوان الفرعي للكتاب (مقاربة في السياسة الخارجية لاستعادة الأمن القومي لجغرافية الذات العربية)، مشيرا إلى أنه يفتح الباب لنقاش نقدي واسع، خاصة تجاه مواجهة النظريات الغربية الكبرى في العلاقات الدولية.. ويتحدى الجوهري بأطروحته نظرية الواقعية مباشرة، لكنها قد تتهم بالانفصال عن الواقع المادي للقوة العسكرية والاقتصادية (الصلبة)، خاصة في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط.
وتابع «هاشم»: بينما تراهن الليبرالية على المؤسسات الدولية، يراهن الجوهري على بناء سردية ثقافية عربية، وهو طرح أكثر خصوصية لكنه أقل قابلية للتعميم عالميًا. ويبقى للجوهري الانخراط في سلك البنائية باعتبار الأفكار والهويات محركاً للعلاقات الدولية، لكنه يضيف بعدًا جغرافياً (الذات العربية كحيز ثقافي) يجعلها أكثر تحديدًا وأقل شمولية!
وأكد هاشم بأن الكاتب يعيد تنظيم مفاهيم الأمن القومي والسياسة الخارجية العربية، واستعادة الأمن القومي العربي ليس عن طريق الأدوات الجيوسياسية، ولكن من خلال رابطة جغرافية ثقافية، تعيد تشكيل الهوية الجامعة وتستثمر في القوة الناعمة، والارتقاء بالثقافة من مجرد أداة مساندة إلى إطار حاكم للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، ويشمل المفهوم الهوية والسرديات الكبرى، وهو طرح متقدم مقارنة بالتصورات الأمنية التقليدية، يقدم بديلاً عربياً للسرديات الغربية، ويضع الثقافة في قلب السياسة الخارجية.
واستطرد «هاشم» بقوله: لكن في غياب استراتيجية شاملة قابلة للتنفيذ، يظل الكتاب نظريًا بدرجة كبيرة، لأنه لم يقدم خطة لكيفية تحويل (الجيوثقافي) إلى سياسة خارجية ملموسة، والتي تتطلب وجود مؤسسات عربية قوية قادرة على إنتاج وتصدير الثقافة، وهو ما يفتقر إليه الواقع الحالي. بالإضافة إلى التركيز على (جغرافية الذات العربية) قد يميل بالفهم نحو الانغلاق الثقافي، بدلًا من الانفتاح التفاعلي مع العالم!
ويرى «هاشم» أن الكتاب يقدم الثقافة بوصفها مستودع الهوية لإعادة هيكلة الأمن القومي العربي، من المنظور الجيوثقافي، وليست الثقافة والهوية مجرد أدوات مساندة، بل هي المحرك الأعمق لسلوك الدول والجماعات في تحديد استراتيجياتها وحدودها، التي لا تقتصر على الحدود السياسية الفعلية، بل تشمل الحدود الرمزية والافتراضية التي ترتبط بالانتشار التاريخي للعناصر التاريخية الثقافية، وذلك لإعادة النفوذ عبر الثقافة، سواء من خلال اللغة، التراث، الفنون، أو السرديات الكبرى.
وختم الدكتور حمدي هاشم الحديث بأن الكتاب يظل محاولة جادة نحو نظرية عربية جديدة في العلاقات الدولية، ودعوة مفتوحة للنخب الثقافية والسياسية العربية لتبني مشروع “الجيوثقافي” كأداة لإعادة التموضع في النظام العالمي الجديد.. وأترك للدكتور حاتم الجوهري التفكير في كيفية تكوين مرصد عربي جيوثقافي من مصر.