أرض الحب..

0 688
بقلم/ ملك عبدالله سمرة 
اعتاد المصري القديم على العيش في بيئة مليئة بالقيم والعاطفة المقدسة مما جعل المؤرخين يُطلقون على مصر مسمى “أرض الحب”، حيث قال الحكيم المصري القديم سنوهي “سكن الجمال ديار مصر وأبى ألا يبرحها إلا على جناح الحب”. وبعبارة أخرى “أنا أنفتح على الحب بكل أشكاله”. رسم المصري القديم ملامح حياته التي ظهرت تفاصيلها على جدران المعابد والمقابر الفرعونية على مدار الأسرات والعصور. وكعادتها كانت الحضارة المصرية القديمة رائدة في إرساء القيم الإنسانية مثل الخير والحب، وأسست قانون “ماعت” رمز الحق والعدل على أساس الحب، وقامت الحضارة بأكملها علي هذا الأساس.

ولم يغفل المصري القديم تسجيل يومياته واحتفالاته التي توثق احتفائه بمحبوبته والتي تشير إلى مظاهر الحب على مدار الأسرات. وقديماً حرص المصريون على تبادل الهدايا المتمثلة في الزهور والورود كنوع من تقدير الأحبة لبعضهم بعضاً ووسيلة للتعبير عن مشاعرهم. وكانت العادة في الأعياد أن تقدم الحبيبة لحبيبها باقة من زهور اللوتس الزرقاء والبيضاء ووضع إحدى هذه الزهور على جبهتها ثم تعزف له على آلة موسيقية أو تقيم حفلا موسيقيا تعزم فيه الأهل والأصدقاء.
فقد كان الحب عند الفراعنة من أسمى العلاقات التى عبر عنها المصرى القديم فى كتاباته عن عاطفته، فكان بارعا فى انتقاء الكلمات للتعبير عن المشاعر العاطفية واستخدم كلمة «مر إك» ومعناها بالهيروغليفى «بحبك». ظهرت وتعددت قصص الحب في جميع أركان الحضاره المصرية القديمة، وها نحن بداخل ساحة حب العظماء، حيث بدأت بأشهر قصص الحب وهي قصة حب القزم «سنب وزوجته»، فـبالرغم من أنها بجسد عادى إلا أنها قبلت الزواج من قزم وتظهر السعادة على وجهها من خلال الابتسامة الجميلة على التمثال الموجود بالمتحف المصرى لهما.

أما عن «اخناتون وزوجته نفرتيتى» فيوضح التاريخ كيف وقفت الملكة نفرتيتى بجوار زوجها رغم تغير الديانة والعاصمة، وأن كرسى العرش الخاص بالملك «توت عنخ آمون» عليه مظهرا من مظاهر الحب، وأن الملكة «عنخ آسن آمون» تنضح زوجها بالزيوت العطرية، مما يدل على مدى علاقة الحب بينهما. كما أن التماثيل المصرية أظهرت الحب في أبهي صوره مثل تمثال «أمنحوتب وتى»، وتمثال «رع حتب ونفرت»، وتمثال «منكاورع وزوجته»، والعديد من التماثيل التى تظهر علاقة الحب والمودة بين الرجل والأنثي أن أجدادنا خير من صوروا الحب في أسمى صوره وأقدسها. ففي صورهم ونقوشــهم يصورون الحبيبين لا ينظر أحدهما إلى وجـه الآخر كمـا ورد في نقوشهم وتماثيلهم الخالدة بل يصورونهما دائما وهما ينظران معًا إلى هدف مشترك، وتجلس الحبيبة أو تقف إلى يساره تعبيرا عن قربها من قلبه. فقديماً، كان هناك العديد من قصص الحب وهيام ملوك وملكات حضارتنا العريقة كان أشهرها قصص الحب التي جمعت بين قلبي الملك رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري، والتي تُعد من أول قصص الحب التي خلدها التاريخ قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
فقد ظهر الشجن والوُلع الفياض من خلال الكلمات التي نُقشت على جدران معبد نفرتاري (جنوبي مصر) والتي يصف فيها رمسيس الثاني زوجته بأنها (ربة الفتنة والجمال، وجميلة المحيا، وسيدة الدلتا والصعيد)، كما يتميز تصميم المعبد بلمسة أنثوية حانية تعبر عن رقة صاحبته، حيث توجد فيه مجموعة من النقوش الناعمة التي تبرز جمال نفرتاري وهي تقدم القرابين للملائكة وفي يدها (الصلاصل) رمز الموسيقى ويعلو رأسها تاج الإلهة (حتحور)، ربة الفتنة والجمال عند القدماء المصريين. وقد نُقش لها نصآ يقول فيه”هي التي تُشرق الشمس من أجلها”.

ومن أشهر قصص الحب الأسطورية الخالدة كانت لإيزيس وإوزوريس، والتي شغلت الكثير لما فيها من تجسيد للحب والتضحية والوفاء، إلى جانب فكرتها الأولى التي تدور حول صراع الخير والشر، وتجسيد الحب في الخير. فكان أوزوريس حاكماً على مصر وتميز بالعدل والوفاء والقوة، وساد عصره السلام والمحبة، بينما كانت إيزيس برفقته تؤدي مهامها بين الناس في البيوت وبين النساء قبل أن يختار الشعب أوزوريس حاكماً، إلى أن ظهر شقيق أوزوريس “ست”، وبدأت تظهر معه المصائب، فيحتال ست على أخيه ويعطيه هدية نفيسة عبارة عن عباءة من قماش يحوز إعجاب الملك، ثم يدعوه إلى سهرة فتظهر إيزيس عدم اطمئنانها إلى هذه الدعوة ولكن أوزوريس لم يلتفت إلى أحاسيس زوجته التي تتراقص أمامها أشباح المكيدة من دون دليل واضح.
وفي الاحتفال الذي أعده “ست” لأخيه دارت الكؤوس ومعها الرؤوس، ثم عرض التابوت الذى كان قد أعده مسبقاً وعرضه على الجمع الذي أُعجب به، وقال إنه سيهدي هذا الصندوق البديع الصنع المزخرف بالنقوش والموشى بالذهب إلى الشخص الذي يطابق الصندوق مواصفات جسده وبعد أن جرب كل الموجودين في الاحتفال الصندوق اتضح أنه لا يوافق سوى جسد شقيقه. وما أن دخل أوزوريس التابوت حتى قام رجال “ست” بحمله وإخفائه وقتله ليستولي الأخير على العرش، وضربت إيزيس الأرض سعياً وبحثاً عن جثة زوجها حتى عثرت عليها، ولكن ست سرق الجثة وقطعها إلى 42 جزءاً، ووزعها على أقاليم مصر. وبحسب الأسطورة، لم تستسلم إيزيس وتمكنت من جمع أشلاء زوجها المغدور، وبُعثت فيه الروح من جديد فعاشا في هناء لا يعرف مثيله إلا من حرم من محبوبه حرماناً حقيقياً ثم رُد إليه.
ويوضح مدير آثار أسوان في قصة الملك امنحتب الثالث والملكة “تيى” خلال الأسرة 18  أن “تيى” كانت ابنة حاكم أخميم الواقعة بمحافظة سوهاج، وأُعجب بها امنحتب وأصر على الزواج منها أيضا رغم عدم انتمائها للجذور الملكية، ومن عشقه بها شيد لها معبدا بمنطقة صولب بالسودان، وأهدى لها المعبد تمجيدا لها. لم تتوقف هدايا العاشق “أمنحتب الثالث” عند بناء معبد لزوجته، حيث أنه قرر صنع بحيرة صناعية كبرى قيل أن طولها يبلغ نحو 120 ذراعا، موضحا أنه خصص لها هذه البحيرة حتى تسبح فيها وحدها، مشيرا إلى أن معالم البحيرة مازالت باقية فى محافظة الأقصر، إلا أنها جفت ولم يتبق منها سوى بقايا تعبر عن مدى حب ملك من ملوك الفراعنة لزوجته التى كانت من عامة الشعب.

وتتعلق القصة الأسطورية التالية بـ«آمون» الموجود في معبد الكرنك والذي كان يخرج من معبده في عيد شهير عند المصري القديم يُسمى بـ«عيد الأوبت»، ليزور زوجته «موت» في معبد الأقصر ويتم تجديد الزواج وإعادة الخصوبة، وكان انتقال تمثال آمون ومعظم طقوس العيد تتم على النهر ورمز له برمز الوفاء والحب. الربة حتحور ربة الحب والجمال والحنان كانت تنتقل من معبدها في (دندرة) بمحافظة قنا كل عام، لزيارة زوجها حورس في (أدفو) بمحافظة أسوان على النهر كل عام، وخلال هذه الأعياد كان يخرج الجميع على ضفاف النهر لرؤية الاحتفال، وكان يحضره الفرعون أو من ينوب عنه، ويتم خلال ذلك التعارف والحب والزواج تقليدا وتبركا بالإلهة حتحور.
أما شهيدة الحب «إيزادورا» فلا تزال تمثل رمز الحب والوفاء حتى اليوم، وهي بنت حاكم الإقليم، إغريقية الأصل، أحبت الجندي المصري «حابي» وكانا يتقابلان سرا على ضفة النهر، رغم اعتراض والدها على هذا الحب نظرا لأنها كانت تعيش في «تونا الجبل» في الشرق وهو في «الأشمونين» في الغرب بمحافظة المنيا. يستطرد أنه في إحدى المرات جرت هي بلهفة لمقابلته فسقطت من مركبها وحاول إنقاذها لكنها ماتت، ودفنها والدها في مقبرة ما زالت تضم المومياء الخاصة بها ورثاها أبيها بقصيدة شعر باليونانية لاتزال على حوائط المقبرة، وظل حبيبها يعبر ذلك النهر كل يوم أكثر من سبعة أميال من غرب النهر لشرقه ليوقد شمعة لحبيبته لتؤنس وحدتها.

ولا تزال قصص ومغامرات الحب التي تحكيها وتصورها حضارة مصر القديمة على جدرانها وتماثيلها صامدة حتى الآن بوجود المحبين معاً، ولم تنتهي قصص الحب التي تمثل العمود الأساسي للحياة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق