الحفاظ حتى البعث

0 920
الأواني “الكانوبية” عمرها 4 آلاف سنة .. لحفظ أعضاء القدماء المصريين

 

كتبت: ملك عبدالله سمرة – باحثة أثرية
عرف المصري القديم الحياة الدنيا باعتبارها رحلة قصيرة،‍ وأن العالم الآخر هو عالم الأبدية والحياة‍ الحقيقية، لذلك كان يسعي في الدنيا من أجل الآخرة،‍ والاعتقاد في الثواب والعقاب والعمل على الوصول إليها بسلام. وقد آمن منذ تاريخه الأول بفكرة البعث بعد الموت، كما اعتقد بأن أهم ضمانات هذا الخلود هو المحافظة على الجثة في شكل يقارب شكلها أثناء الحياة، لذلك لجأ إلى تحنيط الجثة الذي وصل إلى حد يقارب الكمال في عصر الدولة الوسطى.

 

ومن هنا جاءت فكرة استخدام أواني لحفظ أجزاءه التي سيستردها عند البعث، وهى الأواني التي استخدمها قدماء المصريين خلال عملية التحنيط لتخزين وحفظ أحشاء الموتى للآخرة، وكانت تُصنع عادة من الحجر الجيري أو الفخار، ولم تكن الأحشاء كلها تُحفظ في إناء كانوبي واحد، ولكن كان هناك 4 أواني كانوبية، كل منها يُعد لحفظ عضو معين مثل: المعدة، والأمعاء، والرئتين، والكبد، والتي كان يُعتقد أن الميت سيحتاجها في الآخرة، ولم يكن هناك وعاء للقلب، حيث اعتقد المصريون أنه مقر الروح، ولذلك كان يُترك داخل الجسم. وجاءت هذه التسمية حين أطلق الإغريق اسم أحد أبطالهم الأسطوريين “كانوبيس” على الميناء المصري “أبو قير” أو “القديس كير”، وكان تمثال أوزوريس المعبود في هذه المنطقة وقتها عبارة عن إناء له غطاء هيئة رأس الإله.

استُخدمت الأواني الكانوبية في مصر القديمة أثناء عمليات التحنيط لحفظ الأعضاء الداخلية لجسم المتوفي الذي تجرى له عملية التحنيط، وتتميز هذه الأعضاء بأنها سريعه التلف، فيقوم القائمون بعملية التحنيط من الكهنة بإخراج هذه الأعضاء من جسم المتوفى وحفظها في أربع آنيات مختلفة. وتميزت الأواني الكانوبية في عصر الدولة القديمة بأنها كانت نادرًا ما تُنقش، وكان لها غطاءً عاديًا، في العصور الوسطى، وأصبحت النقوش أكثر شيوعًا، كما أصبحت أغطية الأواني على شكل رؤوس بشر، في الأسرة التاسعة عشر، وصنعت أغطية الأواني الأربع بحيث أن كل منها يصور واحدًا من أبناء حورس الأربعة، ويمثلون أركان العالم الأربعة، أي اتجاهاته الأصلية كحراس للأعضاء داخل الأواني، باسم النمس والكوبرا على الجبهة، مع زحافة من الخشب في قاعدة الصندوق، مصنوعة من الألبستر، ويعود تاريخها إلى الأسرة الثامنة عشر، أي في عصر الدولة الحديثة، وعثر عليها بمقبرة الملك توت عنخ آمون بوادي الملوك غرب مدينة طيبة، أو الأقصر حاليًا بصعيد مصر.

 

تطورت الأواني “الكانوبية” وأخذت هيئات أبناء حورس، وهم: إمستي، وحابي، ودواموتف، وقبح سنوف، وأنجبهم من إيزيس، ويتبؤون مركزًا مقدسًا مثل الآلهة، فعليهم الحفاظ على أعضاء المتوفي وجسمه حتى موعد البعث، ويمثلون في الوقت نفسه الاتجاهات السماوية الأربعة: شرق، وغرب، وشمال، وجنوب. ويصورون في هيئة أواني كانوبية، كما كانت أسماؤهم تُكتب على الأربعة أركان للتابوت للحفاظ على المتوفي منذ عصر الدولة الوسطى.

 

يعتبر المصريون القدماء أن حورس أنجب أربعة أبناء، هم: “حابي”، و”أمستي”، و”دوموتيف” ومعناه “حامي أمه”، و”قبح سنوف” ومعناه “عاطي الشراب لأخيه”. وفي كتاب الموتى توجد عادة صورة لأوزوريس جالسًا على عرش في الآخرة وإلى خلفه أختيه أيزيس ونيفتيس، وأمامه يقف أبناء حورس الأربعة على هيئة زهرة اللوتس لمحاسبة الإنسان. من جهة أخرى كان تجهيز الموتى وتحنيطهم يتم بفتح بدنهم وأخذ القلب (القلب لا نستخرجه لأن به يذهب المصرى القديم إلى العالم الآخر ويخلد بالعيش في حقول أوزير)، ووضع الأحشاء في أربعة قوارير (الأواني الكانوبية) التي تشكل الأبناء الأربعة لحورس للمحافظة على سلامتهم، وكانت تلك القوارير الأربعة توضع ملازمة للمومياء، التي تحنط وتُملأ بمواد تمنع تحللها.

وكان تصور المصري القديم أن حورس سيقدم الميت إلى أوزوريس في حالة نجاحه في اختبار الميزان، فيأخذ ملبسًا جميلًا ويدخل “الجنة”. ويتم اختبار الميزان كالآتي: يؤتي بقلب الميت ويوضع في إحدى كفتي الميزان وتوضع في الكفة الأخرى “ريشة” (ماعت) وهي رمز “العدالة والأخلاق الحميدة”، فإذا كانت الريشة أثقل من القلب، فمعنى ذلك أن الميت كان طيبًا في حياته وعلى خلق كريم، فيأخذ ملبسًا جميلًا ويدخل حديقة “الجنة” ليعيش فيها راضًيا سعيدًا. أما إذا ثقل قلب الميت عن وزن الريشة فمعناه أنه كان في حياته جبارًا عصيًا. عندئذ يُلقى بالقلب وبالميت إلى حيوان خرافي يكون واقفا بجوار الميزان يُسمى “عمعموت”: رأسه رأس تمساح، ومقدّمة جسده أسد، ومؤخرة جسده فرس النهر، فيلتهمه هذا الحيوان على التو وتكون تلك هي نهايته الأبدية.

 

من الأساطير المصرية القديمة أيضًا، أن حورس كان يرسل أبناءه الأربعة عند تتويج فرعون مصر، في أربعة جهات من الأرض للتبشير بنفوذ الملك الجديد. ومنذ بداية ظهور أبناء حورس في التصاوير المصرية القديمة، وحتى نهاية عصر الانتقال الثاني، فإنهم صُوروا في الغالب برؤوس آدمية على الرغم من أن الأوانى الكانوبية كانت قليلة من الدولة الوسطى، صُور عليها أبناء حورس الأربعة جميعا برؤوس الـ”صقور”. وفي حالة تصوير أبناء حورس الأربعة بهيئة آدمية كان يصور رأس “إمستى” كأنثى فاتحة البشرة وغير ملتحية، بينما تصور الرؤوس الأخرى بلون أحمر داكن أو أسود مُزينة باللحية الإلهية أى أنهم آلهة ذكور. ومع بداية الدولة الحديثة ساد شكل آخر، ولكن دون أن يطغى تمامًا على الشكل القديم للأغطية ذات الرأس الآدمية، فقد استبدلت رؤوس الآلهة الذكور برؤوس حيوانية.

 

وفي الفترة ما بين بداية الأسرة الثامنة عشرة ومنتصف الأسرة التاسعة عشرة اتخذ كل إله من أبناء حورس الأربعة هيئته الحيوانية المميزة فظهر “إمستى” بشكله الآدمى القديم، و”حابى” برأس قرد، و”دواموت إف” برأس ابن آوى، و”قبح سنو إف” برأس صقر. والجدير بالذكر أنه على الرغم من احتفاظ “إمستى” بشكله الآدمى القديم، إلا أنه منذ ذلك الحين بدأ يتحول إلى معبود ذكر بلون داكن ولحية إلهية. وقد شذت حالات قليلة عن ذلك، حيث وُجد في إحداها أن “دواموت إف” و”قبح سنواف” قد استبدلا رأسهما بحيث صور الأول برأس صقر بينما صور الآخر برأس ابن آوى.

 

علاقة أبناء حورس بالاتجاهات الأربعة للكون
من المرجح أن يكون العدد 4 معبرًا عن جهات الكون الأربعة، وهى الجهات التى تضم عادة أعضاء جسد الإله المتوفى أوزير، وهى التى يتم فيما بعد تجميعها خلال الطقوس إحياء أوزير التى تتم في شهر كيهك. ونظرا لأن عدد أبناء حورس كان أربعة أبناء، فقد كان من البديهى ربطهم باتجاهات الكون الأربعة. ولكن يبدو أنهم في بداية الأمر ارتبطوا فقط بالشمال والجنوب. وفي حقيقة الأمر أن النصوص الدينية تتضارب مع بعضها بخصوص هذا الشأن.

 

فبينما تشير متون الأهرام إلى أصلهم الجنوبى، حيث تذكر أحد تعاويذها تلاوة: لعل هؤلاء الأربعة الجنوبيين يقفون لنيت هذه امستى، وحابى، ودواموت إف، وقبح سنو اف- أبناء حور خم. نجد كتاب الموتى يشير في الفصل (17) من فصوله إلى ارتباطهم بالشمال فيذكر النص: “أنهم امستى، وحابى، ودواموت إف، وقبح سنو إف، الذين يقفون خلف الدب الأكبر في السماء الشمالية، في حين تظهر المناظر المصورة على جدران مقبرة الملك آى في وادى الملوك ارتباط امستى وحابى فقط بالشمال وارتباط دواموت إف وقبح سنواف بالجنوب، حيث صور إمستي وحابى ممثلى الشمال وهم يرتدون التاج الأحمر، بينما صور دواموت إف وقبح سنو إف ممثلى الجنوب يرتدون التاج الأبيض.

 

ولعل ارتباط إمستى وحابى بالشمال يبرز من خلال ارتباطهم بأرواح به، وارتباط دواموت إف، وقبح سنو إف بالجنوب يبرز من خلال ارتباطهم بأرواح نخن، ثم سرعان ما ارتبط أبناء حورس بالجهات الأصلية الأربعة وليس فقط كممثلين للشمال والجنوب باعتبارهم ممثلين لأعمدة السماء الأربعة. وكان ارتباطهم بهذه الجهات كالآتى: امستى: الجنوب، وحابى: الشمال، ودواموت إف: الشرق، وقبح سنو إف: الغرب.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق