تعرّب السودان .. المصريون واللغة النوبية

0 298

          إعداد/ سيد حاج

 

خلصنا فى المقال السابق إلى طرق الكتابة للغة النوبية، وفى الرسالة رقم ٢٥٤ أخبرنا القراء أن عالماً مصرياً – لا يزال شاباً – هو الأستاذ مراد كمال الدكتور فى الفلسفة واللغات السامية من جامعات ألمانية نشر (تاريخ اليهود) لابن كريون باللغة الحبشية واليوم نشر الدكتور مراد كامل رسالة نفيسة على صغر حجمها فى (مجلة الجمعية الألمانية للاستشراق) الصادرة فى مدينة ليبتسش من مدن ألمانية (المجلد ٩١، الجزء الثالث) وموضوع الرسالة (تأثير اللغة العربية فى اللغة النوبية) وهى باللغة الألمانية ويستهل الدكتور كامل بحثه بقوله: (إن عدد الألفاظ العربية التى فى اللغة النوبية موضع دهش عظيم، ولا يوازن هذا العدد إلا بعدد الألفاظ العربية التى فى اللغة التركية، ذلك أن القسم العربى فى اللسان النوبى كبير أيُّ كبر، حتى أن النوبى لا يستطيع أن يؤلف بعض جمل من دون أن يستعمل عدة ألفاظ عربية) ويرد المؤلف هذا التأثير إلى الصلات التى بين بلاد النوبة ومصر: إما من طريق التجارة الجارية بين هذه البلاد ومدينتى أسوان وقنا، وإما من طريق النوب الراحلين إلى القاهرة خاصة ليعملوا فيها، وإما من طريق النوب الذين يطلبون العلم فى الأزهر وما أشبهه من المعاهد الدينية حتى إذا رجع القوم إلى بلادهم جلبوا إليها معهم جانباً من اللغة العربية وبعد هذا التقرير الصحيح يأخذ المؤلف فى ثبت الألفاظ العربية التى تطرد فى اللغة النوبية مع تبيين التحريف واللحن المتطرقين إليها، ومع إثارة الجدال حول ما يذهب إليه غيره من المستشرقين فى الباب نفسه.
مشكلة اللغات النوبية
إذا كان تاريخ بلاد النوبة معقد مليء بالثغرات، فإن خطوطه العريضة قد رسمها العلماء بصورة مُرضية، أما اللغات النوبية فهى مشكلة المشاكل بحق؛ فالتتابع الجغرافى للغات واللهجات النوبية متقاطع ومتداخل، وهى من الشمال إلى الجنوب على النحو التالى: الكنزية من أسوان إلى المضيق، العربية من المضيق حتى كورسكو، الفديجة أو النوبية من كورسكو إلى حلفا، السكوت من حلفا إلى الشلال الثالث، المحس حول ثنية دلجو، وأخيرًا الدنقلاوية حتى الدبة. وباستثناء العربية، فإن المختصين قسموا اللغات النوبية إلى مجموعتين هما:
  • المجموعة الكنزية الدنقلاوية، وتشمل سكان النوبة فى أقصى الشمال والجنوب.
  • مجموعة المحس التى يتكلم بها المحس والسكوت والفديجة «النوبية» فى لهجات متقاربة، ويحتلون الجزء الأوسط من إقليم النوبة الجغرافى.
متى تم انفصال اللغتين الكنزية والمحسية، فإن بروس تريجر يقترح زمنًا لذلك فى نحو منتصف القرن التاسع الميلادى بزيادة أو نقص قرنين من الزمان؛ أى فى نحو ٦٥٠م أو أوائل القرن الحادى عشر الميلادى.
أما هرتزوج فيرى أن سكان النوبة منذ عصر عهد الدولة الوسطى فى مصر، قد أصبحوا شعبًا خليطًا نتيجة ضغط المجموعات الزنجية المستمر – الذى توجد له إشارات فى السجلات المصرية منذ الدولة الوسطى – وأنهم كانوا يتكلمون أصول اللغة النوبية؛ بدليل وجود كلمات مصرية قديمة فى اللغة النوبية، وأن النوبية قد تأصلت بدخول المسيحية التى استمدت الكثير من مركبها الحضارى من مصر، وخاصة نتيجة لكتابة لغة الكنيسة، وفى القرن العاشر بدأ تداخل القبائل العربية، وخاصة ربيعة والعليقات الذين استقروا فى منطقة وادى العرب خالصة لهم، وكذلك كان التداخل نتيجة لزواج العرب من النوبيين الذين كانوا يمارسون شكلًا من نظام حق الأم – نظام الوراثة فى خط الرحم – مما ساعد على تسرب الدماء العربية واعتداد النسل الجديد الناجم عن هذا الزواج بأصله العربى بحكم نظام النسب الأبوى العربى، ولكن ذلك لم يقض على اللغة الأم بحكم نشأة الأطفال مع أمهاتهم.
وفى القرن ١٦ نشأت مملكة الفنج العربية فى السودان الأوسط، وبسطت نفوذها على إقليم دنقلة فزاد استعرابه، وظل باقى النوبة من أسوان إلى بلاد المحس تابعة لمصر العثمانية، ونجم عن إنشاء الحاميات العثمانية وتزاوج جنودها بالنوبيات تأثير لغوى، أدى إلى تكوين مجموعة المحس اللغوية من بلاد المحس جنوبًا حتى كورسكو شمالًا؛ وبذلك انفصلت الكنزية عن الدنقلاوية، وكلتاهما وقعتا أيضًا تحت تأثير لغوى عربى، بداية من القرن العاشر «الكنوز» والقرن ١٤ «الدناقلة».
ولكل من الرأيين وجاهته، ويشتركان معًا فى أن المجموعة اللغوية الكنزية الدنقلاوية هى الأقدم، بينما تشكلت المجموعة المحسية فيما بعد فاصلة – هى وعرب العليقات – بين الكنوز والدناقلة.
وقد ثار جدل كثير حول اسم «الفديجة»: هل هم مجموعة لغوية أم جزء من اللغة المحسية. وأول من ذكر مصطلح «فديجة» هو ليو راينش، ولم يذكره أحد غيره، وقد انتقد لبسيوس بعنف رأى راينش فى هذا الموضوع، وقد حاول البعض إيجاد تفسير للمصطلح وكيفية نشأته، بالاستناد إلى تفسيرات عديدة من السكوت على أنه لغويًّا بمعنى «سنهلك». ويرى الأستاذ محمد عوض أنه مصطلح أطلق على جماعة من المحس والسكوت هاجروا إلى جنوب النوبة المصرية هربًا من حكم المهدية، والرأى الذى يلقى قبولًا من الباحثين أنه «كنية» أو اسم للتشهير بمن يُطلق عليهم، والاسم ليس شائعًا بين السكان المشار إليهم به، بل هم يستخدمون اسم «النوبيين» لشعبهم، مقابل اسم الكنوز لسكان شمال النوبة. وبعد انتقال النوبيين إلى منطقة كوم أمبو سوف تتأثر اللغات واللهجات النوبية بوجودها فى محيط عربى اللسان.
فقد كانت العزلة السابقة فى بلاد النوبة قبل السد العالى أحد العوامل لبقاء اللغة حية؛ نتيجة لبقاء معظم النساء فى ديارهم. أما الآن فإن الرجال والنساء على حد سواء قد يفقدون اللغة الأصلية تدريجيًّا نتيجة المعاملات مع جيرانهم فى المواطن الجديدة، ونتيجة سهولة الحركة إلى المدن المصرية، وأخيرًا نتيجة لوسائل الإعلام المختلفة وبوجه خاص الوسائل المرئية منها. بينما يرى روبرت فرنيا أن الكنوز هجرة حديثة نسبيًّا من دنقلة إلى شمال النوبة المصرية، ففصلت بذلك شعبًا واحدًا هو الفديجة وجعافرة شمال محافظة أسوان، ويؤسس رأيه على أن النوبيين يرون الجعافرة نوبيين تمصروا واستعربوا بحكم مواقع استيطانهم شمال أسوان.
مراحل تطورها
أولهما: هى مرحلة اللغة النوبية القديمة التى تميزت فيها اللغة النوبية مثل كثير من اللغات الأخرى بمعرفة الكتابة والتدوين. وثانيهما: هى مرحلة اللغة النوبية الوسيطة التى تميزت بظهور عدة لهجات محلية تفرعت فى الأصل عن تلك اللغة الأم الموجودة من المرحلة السابقة.
ويمكن تقسيم اللغة النوبية الحالية (لغة المرحلة الثانية) لغوياً إلى مجموعتين أو لهجتين: (الاشكرين ) وهى لغة يتحدث بها الكنوز (الماتوكية) فى أقصى شمال المنطقة النوبية وكذلك الدناقلة فى أقصى حنوبها، ولهجة ثانية يتحدث بها سكان مناطق الوسط النوبى فى أسوان وحلفا ومناطق السكوت والمحس وتسمى (نوبين) ويطلق عليها فى الشق المصرى (فاديجـّا) وهى مركبة من مفردتين (فا دج) تعنى بالنوبية (الأحواض الخمسة) أى لغة سكان الاحواض الخمسة الواقعة بين الشلالات من الشلال الأول حتى السادس خمسة أحواض أو مناطق لذا يطلق عليها البعض أسماء مناطق المتحدثين بها كقولهم (حلفاوي) و(سكوتي) و(محسي) و(دنقلاوي) و(ماتوكي) وتعنى ماتو بالنوبية ( قبلي) أى لغة قاطنى المنطقة القبلية وهم الكنوز. وهنالك (ميدوبي) أى لغة سكان جبال الميدوب فى غرب السودان.
فاللهجات النوبية يمكن أيضا تقسيمها إلى نيلية وجبلية
  • ومنها الجبلية والتى يتحدث بها سكان جبال النوبة فى غرب السودان وهنالك مفردات مشركة بين النيلية والجبلية.
  • منها النيلية والتى يتحدث بها الكنوز (الماتوكية) والحلفاوين والسكوت والمحس والدناقلة وهى لهجات متقاربة وليس هناك فروق جوهرية بينها وان كانت الدنقلاوية شديدة الشبه بالكنزية برغم المسافة التى تفصل بينهما (الحلفاوية والسكوتية والمحسية) بفرعيه (النوبين والاشكرين ) ولهجاتها هى:
  • النوبين أى «نبين» ويتحدث بها فى شمال السودان سكان مناطق حلفا والسكوت والمحس ويطلق عليه مجازا فى جنوب مصر «فاديجا» ويتحدث بها النوبيين داخل الحدود المصرية من شمال حلفا إلى منطقة الشلال.
  • الأشكرين ويتحدثبها أهل دنقلا فى شمال السودان ويطلق عليه مجازا الدنقلاوية كما يستخدمها الكنوز سكان (الشلال) فى جنوب مصر وهم فى أقصى شمال المنطقة النوبية.
  • الميدوبية وهى منسوبة إلى سكان (جبال الميدوب) فى غرب السودان فى ولاية شمال دارفور تقع شمال غرب منطقة حمرة الشيخ شمال كردفان (تمت الاضافة عن طريق محمد الصحراوي).
  • النوبية العتيقة (فى القرون الوسطى)، وأشهر المخطوطات فيها «معجزات مار مينا» أو معجزات القديس مينا.
خصائصها
من خصائص اللغة النوبية أنها تعتمد على الدلالات أكثر من اعتمادها على المعانى. والمفردة النوبية تعبر بحسها وذاتها عن المعنى المراد التوصل إليه:
  • اللغة النوبية من اللغات التى اختصت باستخدام حرفين فقط فى تكوين مفرداتها (فق) (مق) (كج).
  • أكثر المفردات المتقاربة فى حروفها تكون ذات علاقة حسية أو معنوية تؤكد وجود علاقة قائمة. ً
  • هنالك فلسفة خاصة فى تصريف المفردات النوبية حيث تأخذ المفردة أشكالا عدة بالحركة فبدخول حروف متحركة للمفردة تتغير الدلالة وتنتج معانى مختلفة.
  • اللغة النوبية لا تعرف التذكير والتأنيث. فلا يمكن التفريق فيها بين المذكر والمؤنث. فنقول فى مثل:جاء الولد (تود تارون) تود تعنى ولد وفى جاءت البنت (برو تارون) برو تعنى بنت فالملاحظ هنا أن تارون أو تاكون والتى تعنى جاء بالعربية لم تلحقها أى أداة للتأنيث يجعلها تتميز عن المذكر عند الحديث عن البنت المؤنثة. وهكذا لا نلحظ أى اختلاف فى الفعل (تارون) (تاكون) فى الاستعمالين أو مثال المذكر ومثال المؤنث. إذاً فالنوبية لغة لا تفرق بين المذكر والمؤنث.
  • اللغة النوبية خالية من أداة التثنية وبالتالى فهى لغة لا تعرف المثنى فليس فيها أداة متصلة يمكن الصاقها بالاسم لتدلنا على التثنية. وعليه لا نجد فى النوبية مثالاً كالمثال العربى جاء الرجلان.
  • النوبية تجعل الاسم مثناً بإضافة لفظ (أووي) أى اثنين نفسها بالدنقلاوية بعد الاسم المراد تثنيته فنقول فى حضر الرجلان (إد اوى تاجسن) أو بالدنقلاوية (اقج اوى تاكرن). فالملاحظ هنا أن كلمة (إد) أو(اقج) وتعنى (رجل) لم يطرأ عليه أى تغيير فهى تدل على المفرد إلا أن دخول كلمة(أووي) هى التى جعلت من مثنى.
  • يمكن فى النوبية جمع العدد واحد ليعبر به كثرة (ويكو بجسن) فهنا جُمع العدد واحد وهو وى ليصبح ويكو أى واحدين وهو بالدنقلاوية (ويريي) وهو أمر مخالف للعربية فيما نرى. وقد رد بعض الدارسين جمع العدد واحد إلى واحدين فى العامية السودانية للتعبير به عن الكثرة مرده تأثر العامية السودانية ببعض التراكيب النوبية.
  • الأصل فى اللغة النوبية تقديم الفاعل على فعله بعكس اللغة العربية التى الأصل فيها تقديم الفعل على الفاعل، فنقول محمد كبن (محمد أكل) أو (محمد كلكو) – (محمد كبك كبن) أو (محمد كلقى كلكو) محمد أكل الأكل) فى المثال الأول نجد الفاعل + الفعل وفى المثال الثانى نجد الفاعل +المفعول به +الفعل. (الجملة الفعلية).
  • اللغة النوبية تخلو من أداة التعريف ولذا كل الأسماء فى النوبية معرفة ما لم يلحق بآخرها أداة التنكير وهى (وي) (وير) وتعنى واحد و(ويكو) (ويري) واحدين فى حالة الجمع.
  • اللغة النوبية من اللغات التى يمكن أن يتغير معناها تبعاً لإضافة مقطع فى بدئها أو فى جزعها (اللغات الكاسعة). وذلك على مثال ما جاء فى العربية.
التشكيل والحركة ودلالاته
كما للمفردات النوبية دلالات أيضا لتشكيل دلالات. ولنا أن نبين كيف تعامل النوبى مع الحروف ومواقع التشكيل (قياسا بالعربية) نجد أن النوبى يعتمد على تشكيل أول حرف فى المفردة (فى العربية أخرها) وهنالك من الأدوات ما يقابل الفتحة والكسرة والضمة.
  • الفتحة (الاعزاز) تعنى الاعتزاز بالشيء فإذا نصب النوبى أول حرف فى الكلمة دل على الخصوصية فمثلا كلمة ( أي) دلالة يسوقها المتحدث عن نفسه وتعنى أنا وكذلك انى (خاصتي) حيث تحس من نبرات المتحدث جملة من الإعزاز والاعتزاز .
  • أما الكسرة (الغيرية) فتعنى عدم التملك ويُخاطب به الغير (إر) أنت و(إنيه) خاصتك . فلا تجد فى صوت المتحدث تلك النبرات، بل هى اقرب إلى الانكسار وتدل على أن ملكية الشيء عائدة للغير!!.
  • الضمة (الشيوع) فتفيد الجمع وشيوع التملك . فالبدء بحرف مضموم يفيد بأن ملكيتها مشاعة أو مشتركة، ومثال ذلك واضح فى (اُني) وتعنى خاصتكم .
  • أما فى حالة الاستفهام الذى لا يؤكد أو ينفى الملكية – فتأتى بكسرة منتهية بما يقارب حرف الهاء فى آخر المفردة، ولا تؤثر أو تُغير فى الحركة الأصلية السابقة الآتية بدلالة معينة. ومثال ذلك فى (إنليه) وتعنى أهى خاصتك؟ فهى مكسورة فى أولها. وإذا أتت بالضمة (اُنليه) أهى خاصتكم؟ للجمع . فنلاحظ أن الحركات الأصلية (الغيرية والشيوع (الكسرة والضمة) باقية فى أول الكلمة بدلالاتها .
  • أما إذا أتت لتدل مشاركة المتحدث فى الملكية تُمد حركة الحرف الأول(اُونلى) وكأن المد استعاضة عن (الفتحة). أما (الواو) مد طبيعى للضمة، وإذا أتت فى هذا السياق تؤكد الشيوع فى المشاركة – كما فى (انو) الجد .
إطلاق الأسماء والتوليد والاستنباط
الاستباط والتركيب والتوليد:
ولأن اللغة النوبية تعتمد على الدلالة كان من السهل لها أن تواكب المستجدات وتجد أسماء ملائمة لأغلب الأدوات والآلات مستنبطة من واقع أدائها . كما أنها لم تعجز عن توليد مرادفات لأسماء كثيرة.

 

فلسفة إطلاق الأسماء
للنوبيين فلسفتهم الخاصة فى إطلاق الأسماء . فلنا أن نقف عند أسماء أفراد الأسرة لنتلمس مكانة الأم . فبها أو باشتقاق من اسمها سمى الابن والأخ والأخت والخال واغلب أسماء أفراد الأسرة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق