حافظ إبراهيم .. شاعر النيل .. (١٨٧٢-١٩٣٢)

0 584

         إعداد/ سيد حاج

لماذا سُمي بشاعر النيل

كانت محبة حافظ إبراهيم للنيل، وتنقُله على ضفافه سبباً في نيلُه لقباً شعبياً (شاعر النيل) التصق به، وذاعَ صيتُه من خلالِه، ولم تأتِ قصة مولده على مركب في النيلِ إلّا لتؤكد هذا اللقب، وتجعله يشتهر به؛ ففي الفترة التي عاش فيها حافظ إبراهيم كان الناس مُغرمين بإطلاق الألقاب على المشاهير، وكانت هذه الألقاب بمثابة مدح، ودعاية لهم، وكان حافظ إبراهيم من الشعراءِ الذين أحيَوا الشعر العربي خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فهو من عباقرة الشِعر؛ حيث تكمُن عبقريته في ذاكرته الصورية القوية التي مكنته من حفظ العديد من الكتابات، والقصائد المعاصرة، والقديمة.

 

لم يكن تاريخ مولد حافظ إبراهيم معلوماً ولا حتى فى أوراقه الرسمية الموجودة فى ملفات خدمته، إلّا أنه بعد أن عُيِّن فى دار الكتب طُلب منه تعيين يوم مولده، فتم إرساله فى الرابع من شهر فبراير لعام 1911 إلى لجنة طبية مُخوّلة للنّظر فى هذه الأمور لتقدير عُمره، فكان لهم أنْ قدّروه بتسعة وثلاثين عامًا، وعلى إثر هذا التّقدير تم الإقرار بيوم مولده أن يكون فى الرابع من شهر فبراير لعام 1872، والجدير بالذِّكر أنّ حافظ إبراهيم وُلد فى سفينة “ذهبية” كانت راسية على شاطئ النيل، ووالده هو المهندس المصري إبراهيم فهمى، وهو من المُهندسين الذين أشرفوا على قناطر بلدة ديروط، أما أمه فهى “هانم بنت أحمد البورصه لي”، وأصلها تُركي من أسرة مُحافظة تُسمّى الصّروان، حيث كانت تقطُن هذه الأسرة فى أحد الأحياء القديمة والشعبية فى القاهرة، واسمه “حيّ المغربلين”، وسُمّيت الأسرة بذلك لأنّ جدّ حافظ لأمّه كان أميناً للصرة فى موسم الحجّ.
حياته وتعليمه
نشأ والد حافظ إبراهيم “إبراهيم فهمي” فى بلدة ديروط بالصعيد، وفى عام 1870 أصبح مسئولاً مع غيره من المهندسين المصريين على القناطر التى تقام على نهر النيل، وكان قد سكن فى سفينة ذهبيّة مع زوجته هانم التى فيها كان مسقط رأس حافظ إبراهيم، إلّا أنه قد فارق الحياة وحافظ فى عُمر الرّابعة، فعمدت أمه إلى الانتقال به إلى القاهرة فكفله خاله الذى كان يعمل مُهندس تنظيم، فرعاه وقام بتربيته كما أنه أرسله للالتحاق بالكُتّاب وبعد ذلك إلى المدرسة، لكنّ حافظ كان يعيش حياة مُضطّربة لأنه كان يتنقل بين مدارس مُختلفة حتّى التحق بآخرها وهى المدرسة الخديوية، إلّا أنه وفى نفس الوقت تمّ نقل خاله إلى طنطا فأخذه معه، لكن حافظ إبراهيم لم يلتحق بالمدرسة وهو فى هذه البلدة، إذ التحق بالجامع الأحمديّ بشكل غير مُنتظم، فحظى فى هذا الجامع بالعديد من الدروس التى تُشابه تلك التى تُلقى فى الجامع الأزهر.
كان مما يتم مناقشته فى الجامع الأحمديّ بين الطلاب استعراضهم لأصحاب طرائف الشِّعر القديم، والمُحدّث مثل البارودى، فأثناء ذلك لُوحظ ميل حافظ إبراهيم للشِّعر والأدب، ثمّ قرر بعد مُدة أن يحاول الحصول على قوته بنفسه، فتوجّه للدّخول فى مهنة المُحاماة لما يملكه من طلاقة فى الّلسان، ومنطقاً سليماً يُجارى، وكانت المُحاماة آنذاك مهنة حُرّة، فتمّ إلحاقه للعمل لدى بعض المحامين، إلّا أنه سُرعان ما انتقل إلى القاهرة فالتحق فى مدرستها الحربية حتى تخرّج منها عام 1891، وعلى إثر ذلك عُيّن فى وزارة الحربية، فبقى فيها ثلاثة أعوام، وبعد ذلك تحوّل إلى وزارة الداخلية ليعمل فيها عاماً وأكثر قليلاً، ثمّ عاد ليعمل فى الحربية، ومن الجدير بالذِّكر أنّ حافظ إبراهيم بدأ مُحاولته للعيش بنفسه لشعوره بالملل أثناء عيشته عند خاله، بالإضافة إلى اضطراب حياته لأنه كان يأخذ الأمور على محمل غير جاد، لكنه عندما أخذ قراره ذلك كتب أبياتاً فى خاله أبيات، وهذه هى: ثقُلتْ عليك مؤونتي .. إنّي أراها واهيهْ .. فافرحْ فإنّي ذاهبٌ .. متوجّهٌ في داهيهْ.
 عمله
مرّ حافظ إبراهيم بالعديد من المراحل في حياته المليئة بالقلق وضِيق العيش كونه من أسرة مُتوسطة الحال، بالإضافة إلى نشوئه يتيماً، فكان فى حالة تجعله مُحتاجاً للعمل لإعالة نفسه، فعمل حتى أُحيل إلى التقاعد، ومن الجدير بالذكر أن حافظ كان صاحب إحساس رقيق مما جعله يشعر بعمق الأسى الذى يعيشه، إلّا أنه تجاوز ذلك فى حياته إذ حاول العمل فى صحيفة “الأهرام”، لكنّها لم تقبله فعَمَد إلى مُلازمة الشيخ محمد عبده، وقال حافظ فى ذلك: “فلقد كنت ألصقَ النّاس بالإمام، أغشى داره، وأردّ أنهاره، وألتقط ثماره”، وفى عام 1911 تم تعيينه بدار الكُتب المِصرية فى قسمها الأدبي تحديداً، ومن قِبل وزير التّربية والتّعليم حشمت باشا، كما كان لوظيفته أثر فيما ينظمه من الشِّعر؛ فتوقّف عن نظم الأمور السياسية والاجتماعية كما كان يفعل قبل توظيفه فى هذه المهنة والتى بقى فيها حتّى عام 1932.
زواجه
تزوج حافظ إبراهيم عام 1906 من ابنة أحد أغنياء حيّ عابدين، إلّا أن هذا الزواج لم يستمر طويلاً فقد دام أربعة أشهر فقط، بعدها انفصلا ولم يُقبِل بعدها على زواج آخر، كما لم يكن للمرأة مكان فى مسيرته إلّا زواجه ذاك؛ وذلك بسبب ما لاقاه من ظروف حياته ووطنه، ففضّل أن يتّجه بهذه العاطفة إلى هموم وطنه وشعبه، إذ ظهر أثر ذلك فى ديوانه الشِّعرى الذى لا يحتوى إلّا على ثلاث صفحات من شِعر الغزل، حتى أنها ليست أبياتاً طويلة، فهى لا تتجاوز البيتين للمقطوعة الواحدة، ومنها ما هو مُترجم عن جان جاك روسو، وفى عام 1908 توفّت أمّه مهمومةً على حال ابنها ثم توفى خاله بعدها، لذا بقى عند زوجة خالته التى أمّنت له أسباب العيش.
أساتذته
أخذ حافظ إبراهيم العلم والمعرفة من أشهر عُلماء الأدب والعلم فى عصره، فكان يحضر مجالسهم التى تواجد فيها العديد من العلماء، والشُّعراء، والأدباء فكان يسمع منهم، ومن أعلام عصره هؤلاء السيد توفيق البكرى الذى لم يتوانى حافظ فى الذهاب إلى بيته الواقع فى حيّ الخرنفش، وكان يلتقى هناك بالعديد من العلماء الذين يتحدثون فى الأدب، واللغة، وكونه صاحب ذاكرة تعى ما تسمع بالإضافة إلى مَلَكة الحفظ لديه فذلك أدى إلى جعله مُلمّاً بمُفردات الّلغة وتراكيبها على قدر جيد مما كان يتلقاه، كما كان ممن يتردّدون على بيت: السّيد توفيق والشّيخ الشّنقيطيّ، والشّيخ محمّد الخضريّ، والشّاعر الّلغويّ حفنى ناصف.
إن بيت إسماعيل صبري ّ”شيخ الشُّعراء” لم يسلم كذلك من حافظ إبراهيم، حيث كان الأخير كثير التّردّد إليه ليرى العديد من الشُّعراء الذين كانوا يعدّون الشّاعر إسماعيل أستاذهم، فكانوا يأخذون برأيه فى أشعارهم، ومن هؤلاء الشُّعراء: أحمد شوقيّ، وخليل مطران، وأحمد نسيم، كذلك محمد عبد المُطّلب، وعبد الحليم المِصريّ، وغيرهم من الشُّعراء الشّباب آنذاك، كما أقرّ حافظ بما للشّاعر إسماعيل من فضل عليه فى نُضج شِعره وصقله، ويجب الإشارة إلى أستاذين كان لهما فضل كبير فى ثقافة حافظ، وعقله، وشِعره، وهُما: الشّاعر محمود سامى البارودي، والإمام محمد عبده.
صفاته
تمتع حافظ إبراهيم بالعديد من الصفات التى جعلت منه شاعراً فريداً فى زمانه، ومنها جزالة الشِّعر الذى كتبه، وقوة ذاكرته التى بقيت كميزة له طوال عمره حتى عمر الستين، كما أن ذاكرته كانت مليئة بآلاف القصائد العربية سواءً القديمة أم الحديثة، وكانت تحتوى على عدد كبير يصل إلى المئات من الكُتب. كما شهد له أصدقاؤه باستطاعته قراءة ديوان شِعريّ كامل أو كتاب ما فى دقائق معدودة، حتى كان يذكر ممّا قرأه بعد ذلك قَدْراً جيّداً وذلك كلّه لامتلاكه مَلَكة القراءة السّريعة، بالإضافة إلى قدرته على تلاوة سور القرآن الكريم بعد سماعها مُباشرةً بنفس الطّريقة التى سمعها بها.
ومن أبرز موضوعاته الشِعر السّياسي: اتضح هذا اللون فى شِعر حافظ إبراهيم فى طابعه الوطنيّ والمُتمثّل فى الآمال الحالمة لأمته، فاستخدم فيه مُفردات كان يشكو فيها ما يتعرض له وطنه من قضايا ومشاكل، والشِّعر الاجتماعي. تميّز هذا اللون عند حافظ إبراهيم جلّياً بسبب البيئة التى نشأ فيها بين العلماء والعباقرة رغم ظروفه الصعبة، شِعر المديح للغة العربيّة، اتضح أهمية هذا اللون فى شِعر حافظ إبراهيم جليّاً بعد محاولات إلغاء وجود اللغة العربية، وذلك أثناء الاستعمار البريطاني، شِعر الرِّثاء: عُدّ هذا الّلون فى شِعر حافظ إبراهيم الأكثر بُروزاً فى شِعره وأشعار مُعاصريه، إذ اتضحت فى رِثائه مشاعره الوافرة بالوفاء؛ فقد كان شديد التّأثّر عند موت أحد أصدقائه، فما وجد إلّا الشِّعر كمخرج يُعبّر فيه عن حُزنه الشّديد، ويعود هذا الإبداع فى شِعر الرِّثاء إلى أمور مُختلفة.
وجُمعت له فى حياته ثلاثة أجزاء صغيرة، نُشر الجزء الأول منها مع تعليق “محمّد إبراهيم هلال بك” عليها عام 1901، والثّانى عام 1907، والثّالث نُشر عام 1911، أمّا عن شِعره بعد هذا العام، لم يُنشر لعدم جمعه فى حياته. وبعد وفاته قام أحمد عبيد، وهو أديب دمشقيّ بجمع بعض أشعار حافظ إبراهيم ونشرها فى دمشق عام 1933، وكانت تلك الأشعار لم تُنشر من ديوانه، وقام أحمد عبيد كذلك بجمع ما قام به شوقى بالإضافة إلى أشعار الرِّثاء فيهما، وما كتبه هو عنهما فى كتاب أسماه “ذِكرى الشّاعريْن”. وقد نشرت مكتبة الهلال فى مِصر ديواناً شِعريّاً عام 1935، وجمعت فيه الأجزاء الثّلاثة التى جُمعت سابقاً، بالإضافة إلى ما نشره أحمد عبيد فى “ذِكرى الشّاعريْن”. الديوان المُصّنف بحسب الموضوعات، والذى جمعه أحمد أمين، وإبراهيم الأبياري، وأحمد زين، وذلك عام 1937، وكان الدّيوان مُقسّماً، فيذكُر المديح، ثم الهجاء، ويستعرض تاريخ قوله للأبيات وهكذا، بالإضافة إلى أن الديوان مُفهرس بطريقة هجائية ليسهل على القارئ الرجوع إلى القصيدة، بحسب قافيتها، كما تمّ تناول الدّيوان نوعين من الشرح للأبيات، أولّها تضمّن ظروف القصيدة، وتاريخ نشرها لإدخال القارئ فى أجوائها، والثّانى تضمن شرحاً لُغوياً لتراكيب الأبيات، ومُفرداتها، مع الإشارة إلى الأحداث التاريخية الواردة فيها، وقال أحمد أمين واصفاً الشرح الذى تناوله فى هذا الدّيوان: “وقدّرنا أن الديوان ستتناوله أيدى الطلبة فى المدارس الثانوية، ومن فى مستواهم، فقصدناهم بالشرح، ونظرنا إليهم فى البسط”.
من مؤلفاته
  • تعريب رواية “البؤساء” لصاحبها فيكتور هوجو عام 1903.
  • المُوجز فى علم الاقتصاد الذى كتبه بمُشاركة خليل مطران، وهو يتكّون من جزئين عام 1913.
  • التربية والأخلاق وهو مُكون من جُزئين.
  • كتاب عُمر: مناقبه، وأخلاقه، والمُسمّى بـ “عُمريّة حافظ” عام 1918.
وفاته
تُوفّى حافظ إبراهيم يوم الخميس صباحاً فى الحادى والعشرين من شهر يونيو عام 1932، ودُفن فى إحدى مقابر السّيدة نفيسة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق