قال الله تعالى: “فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ” (الضحى: 9)، وهي دعوة صريحة من الله سبحانه وتعالى إلى معاملة الأيتام برفق ورحمة، وعدم التقليل من شأنهم أو ظلمهم. كما قال النبي ﷺ: “أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة” وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى (رواه البخاري). هذه الأحاديث والآيات الكريمة ليست مجرد كلمات تُتلى، بل نداء من السماء إلى قلوب البشر يدعوهم لاحتضان من فقدوا دفء العائلة، لمنحهم الحب والأمان الذي افتقدوه، ولتكون أيديهم بلسماً يخفف من قسوة الحياة عليهم.
نحتفل بيوم اليتيم في أول جمعة من شهر أبريل من كل عام، وهي مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال العابر لتصبح لحظة تأمل في دورنا الحقيقي تجاه هؤلاء الأطفال. فهم ليسوا مجرد أرقام في الإحصائيات ولا قصصًا تُحكى ثم تُنسى، بل هم أرواح تبحث عن الأمان، عن كلمة حانية، عن أحضان دافئة تطمئن قلوبهم الصغيرة بأنهم ليسوا وحدهم.
فخلال زيارتي إلى إحدى دور الأيتام بمدينة نصر، رأيت مشهداً أعاد إليّ الإيمان بأن الخير ما زال فينا. لم يكن المكان مجرد مأوى يوفر الطعام والشراب، بل كان بيتًا نابضًا بالدفء، حيث وجوه الأطفال تضيء بابتسامات حقيقية، وعيونهم تلمع بالأمل، وكأنهم وجدوا في هذا المكان ما عجزت الدنيا عن منحه لهم. كانوا يلعبون، يضحكون، يتعلمون، ويحلمون بغدٍ أفضل، رغم كل ما مروا به من فقد وألم.
ومن أكثر اللحظات التي لمست قلبي، كان حديثي مع طفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة. نظرت إليّ بعينيها البريئتين وقالت: “أنا بحب المدرسة جدًا، وبحلم أبقى دكتورة عشان أعالج الأطفال.” كلماتها البسيطة كانت تحمل في طياتها قصة من الإصرار، قصة طفلة لم تستسلم للحزن، بل حلمت وتمنت، ووجدت في العلم بابًا للحياة.
كما التقيت بإحدى الأمهات البديلات، التي لم تكن مجرد مشرفة في الدار، بل كانت أمًا حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. قالت لي بصوت يملؤه الحب: “نحن لا نقدم لهم طعامًا وشرابًا فقط، بل نمنحهم حضنًا دافئًا، نشعرهم بأنهم جزء من أسرة، نعلمهم كيف يحبون الحياة رغم قسوتها.” كانت كلماتها صادقة، تنبع من قلب عاش تجربة الأمومة مع هؤلاء الأطفال وكأنهم أبناؤها الحقيقيون.
وبينما كنت أتجول بين الأطفال، طلبت تصوير بعض اللحظات الجميلة التي عشتها معهم، لكن مشرفة الدار رفضت برفق، قائلة: “نريدهم أن يعيشوا حياتهم دون أن يشعروا أنهم موضع شفقة أو تمييز، نريدهم أقوياء واثقين بأنفسهم، لا بحاجة إلى نظرات تعاطف، بل إلى نظرات احترام وإعجاب.” كان موقفها يحمل درسًا عظيمًا عن الكرامة، عن أن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، بل يكمن في أن تمنح دون أن تجعل الآخر يشعر بأنه أقل منك.
يوم اليتيم ليس مجرد مناسبة سنوية تُكتب عنها المقالات وتُنظم لها الاحتفالات، بل هو دعوة للتفكير بعمق في واجبنا المستمر تجاه هؤلاء الأطفال. فهم ليسوا بحاجة إلى يوم واحد من الرعاية، بل إلى مجتمع يُشعرهم بالانتماء طوال حياتهم. العناية باليتيم لا تعني فقط تقديم الدعم المادي، بل تشمل غرس الثقة في نفوسهم، ومساعدتهم على تحقيق أحلامهم، ومنحهم الفرصة ليكونوا أفرادًا فاعلين في المجتمع، قادرين على المساهمة فيه بإبداعهم وجهدهم.
قد لا نستطيع تغيير العالم بأسره، لكننا قادرون على تغيير عالم طفل يتيم بابتسامة، بكلمة طيبة، بدعم صغير يفتح له بابا من الأمل. فليكن كل منا سببًا في رسم بسمة على وجه يتيم، ليس ليوم واحد، بل لحياة كاملة.